شتائم .....       مشاعر مهمله .....       زيادة ملح الطعام تسبب أمراض المناعة الذاتية .....       محمد بن راشد: هدفنا تحقيق السعادة للمجتمع .....       محمد بن راشد يفتتح أعمال القمة الحكومية الأولى .....       تخلص من الكرش بواسطة الكمون‏ .....       الالتهابات التناسلية المتهم الأول للحمل خارج الرحم .....       السمنة تهدد الجمال والعلاقة الزوجية .....       أمراض الصيف تهاجم الأطفال دون سابق إنذار .....       خمسة أسئلة غذائية يطرحها الأميركيون لضمان صحة أفضل .....
الصفحة الرئيسية » زايد بن سلطان آل نهيان » زايد والتراث
مشاركة : همس اطبع المقال ارسل المقال لصديق
تاريخ الإضافة :: 2010/08/17   ||   عدد الزوار :: 2294
زايد والتراث

 

مفهوم التراث والمواقف المتباينة تجاهه


مفهوم التراث :

إن التراث قد عُرف بأنه : امتداد السلف في الخلف، واستمرار مآثر الآباء والأجداد في الأبناء والأحفاد، الأمر الذي يؤكد مقدرة الماضي على أن ينداح في دوائر الحاضر والمستقبل، بل أن بعض التعريفات مثل تعريف المستشرق الفرنسي جاك بيرك نصّت على أن التراث هو : (الماضي يحاور الحاضر عن المستقبل). وعلى الرغم من أن الارتكاز على الماضي يظل مَعْلماً أساسياً بالنسبة للتراث ومنطلقاً لا غنى عنه، كما توضح تعريفات التراث في كل اللغات، إلا أن قدرته على التعامل مع الحاضر والتعايش وفق مقتضياته يبقى شرطاً هاماً من شروط استمراريته وتفاعله مع المجتمع، وكما ان الحاضر لا ينفصل عن الماضي والمستقبل، نجد كذلك ان جذور عاداتنا وتقاليدنا وقيمنا ومآثرنا التي نعيش في كنفها في يومنا الحالي هي امتداد طبيعي لتراث الآباء والأجداد، كما أنها تشكل تطلعاتها المستقبلية إلى حد كبير.
وفي محاولة لاستنباط الركائز الأساسية لمفهوم التراث في اللغة العربية وفي الفكر العربي، نرجع إلى أقدم استخدام لكلمة (تراث) في اللغة العربية، ونسعى لرسم أبعاد هذا الفهم الذي ساد الساحة الفكرية منذ أمد بعيد. ولعل أقدم نص عربي وردت فيه كلمة (تراث) بصورة واضحة ومؤكدة تساعدنا على رسم أبعاد هذه المفهوم هو معلقة عمرو بن كلثوم التي ورد في بعض أبياتها :

ورثنا مجد علقمة بن سيف أباح لنا حصون المجد دينا
ورثت مهلهلاً والخير منه زهيراً ، نعم ذخر الذاخرينا
وعتاباً وكلثوماً جمعياً بهم نلنا تراث الأكرمينا

من الواضح أن المفاهيم التي تعكسها تلك الأبيات وتعمل على ترسيخها تتصل مباشرة بما آثر الآباء والأجداد من صفات كالقوة والشجاعة والبطولة أهّلتهم لأن يصبحوا من كرام القوم. لقد كان – وما زال – التغني بتلك الأمجاد، والترويج لروح العشيرة والقبيلة وقيم التعاضد والتضامن المرتبطة بهما، من أميز ملامح التراث العربي في شتى العصور، ولكنها اتصفت في تلك العصور المبكرة بروح العصبية البغيضة التي نهانا عنها الإسلام وحذّر من عواقبها.
لم تقتصر استخدامات كلمة (تراث) على الجوانب القيمية المتصلة بمآثر الآباء والأجداد، بل شملت كذلك الجوانب المادية المتصلة بالمال والعقار متمثلاً في الميراث، وخير مثال لذلك وصف الله تعالى لحال الأعراب في فجر الإسلام وتكالبهم على الماثل من غير اكتراث لمصدره، أمِن حلال هو ام من حرام، الأمر الذي يوضح أنهم ما زالوا يعيشون بروح الجاهلية ويسيرون على نهجها، ولقد ورد هذا الاستخدام في سورة الفجر في قوله سبحانه وتعالى :  وتأكلون التراث أكلاً لَمّاً وتُحبُّون المالُ حُباً جَمّا .
توالت استخدامات كلمة (تراث) خلال العصور الإسلامية وابتعدت مدلولاتها عن العصبية القبلية، ولكنها ظلت ترفع راية العزة وتتغنى بكرم الأصل، والقدرة على الصمود، والتصدي للظلم والغدر، ومن أمثلة ذلك قول الشاعر الإسلامي القديم سعد بن ناشب الذي يستخدم كلمة (تراث) في قوله :

فإن تهدموا بالغدر داري فإنها تراث كريم لا يبالي العواقبا

لقد علمنا أن (التراث) لغة ومضموناً يتجه نحو الماضي، إلا أن الدراسات التراثية في الوطن العربي تكاد تنحاز انحيازاً واضحاً نحو الماضي دون الحاضر، وتركز على المآثر والمناقب أكثر من تناولها لموضوعات الحياة اليومية. كما أنها تناولت في الفترات السابقة الجوانب التاريخية والأدبية، لا سيما تلك التي تذخر بكم هائل من (الموتيفات) السحرية والأسطورية، أكثر من اهتمامها بالظواهر الاجتماعية والموضوعات السياسية والنفسية والتي ما تزال تؤثر في أبناء الحاضرة وناشئة المستقبل قدر تأثيرها في حياة الآباء والأجداد، وليس ذلك تقليلاً لشأن الجوانب التاريخية، والأدبية للتراث، فهي من أهم مكوناته، ولكنها دعوة للتعامل مع التراث ومع الماضي من منظور عصري، والخروج به من الدائرة الضيقة للنصوص الأدبية والأحداث التاريخية، والولوج في مدلولاتها الاجتماعية والسياسية والنفسية، وتحليلها وفهمها بصورة تواكب الحاضر كما نتحدث في المستقبل.
وبما أن التراث جزء من الثقافة، بل هو الثقافة المتوارثة عبر الأجيال، فينطبق عليه ما ينطبق على الثقافة من حيث تعريفه وتحديد أبعاده ومفهومه، ومن أهم هذه الأبعاد شموليته وتداخل عناصره. فالتراث إذاً هو السياسية والحكم والعقيدة والأدب والفن والظواهر الطبيعية والاجتماعية والنفسية. وهو كذلك عبارة عن الخصائص البيئية والخلفيات التاريخية، وعليه فهو يشكل هويتنا الحضارية، ونظرتنا إلى أنفسنا والآخرين، ورؤيتنا للعالم من حولنا World –View وإذا شئنا أن نركز على حلقة من حلقات هذه المنظومة المتناسقة المتداخلة، فلعلنا نشير إلى أهمية الجانب السياسي – الاجتماعي لارتباطه بموضوع البحث.
يسهم التراث إسهاماً واضحاً في تشكيل الواقع الاجتماعي والسياسي للأمم والشعوب، بل يعتبر المكوّن الرئيسي للثقافة، لاسيما الثقافة الشعبية، بتجلياتها المختلفة، وعليه فهو أساس الهوية ومفتاح الشخصية الجمعية، حيث إنه يمثل الإرث والتاريخ ويرمز للجذور والأصالة، ولذلك تتمسك به المجتمعات في شتى مراحل تطورها، وتدق على أبوابه وتستلهم قيمه ومعانيه في جميع الأوقات، لا سيما في الأوقات الحرجة وعند مواجهة الأزمات والتحديات، وعلى الرغم من ارتباط التراث بالماضي وبالتاريخ لغة ومضموناً، إلا أنه ينبغي ألا نقف عند تعاملنا معه عند الماضي دون الحاضر والمستقبل، فنحبس أنفسنا ومجتمعاتنا في أزمان غابرة ولّت، أو نظل واقفين مشدوهين عند مراحل تخطتها الأجيال، فالثبات والتغير من خصائص التراث.
من أهم ما تحتاجه الدراسات التراثية في كل مكان وزمان، وفي الوطن العربي بصفة خاصة، وفي الفترة الحرجة الحالية على وجه التحديد، هو المنهاج السليم للتعامل معه دون (رومانسية) وتبجيل وتقديس، أو ازدراء واستهجان. ويأتي في مقدمة متطلبات هذا المنهاج ربط التراث بمشكلات الحاضر وتطلعات المستقبل قدر اهتمامنا بمآثر الماضي، فنستلهم من الماضي معنى البطولة وقيمها الإنسانية والاجتماعية والسياسية في كل زمان ومكان بدلاً من أن نحبس أنفسنا لدى شخصية البطل من غير ان نتجاوز سرد (الموتيفات) الخاصة بسيرته وبأعماله الخارقة، هذه إذاً دعوة إلى تفعيل التراث وتوظيفه بصورة تنسجم مع واقع الحياة العصرية، وتسعى لمخاطبة ومواجهة التحديات المستقبلية، من غير أن تعرضه للمسخ والتشويه، فهو في المقام الأول سجلنا الذي نفخر به على مر الأجيال، فإن لم نكن قدر التحدي ولم نعد أنفسنا إعداداً علمياً وفكرياً واعياً يمكننا من تفعيل التراث وتوظيفه، فمن الأفضل ان نحافظ عليه كما هو في صورته (الرومانسية) الحالمة بعيداً عن المسخ والتشويه والصنعة.

 

التقييم : 2.00
التعليقات : ( 0 )
عفوا لا يوجد تعليقات
الاسم
اضف تعليق
عودة »»