شتائم .....       مشاعر مهمله .....       زيادة ملح الطعام تسبب أمراض المناعة الذاتية .....       محمد بن راشد: هدفنا تحقيق السعادة للمجتمع .....       محمد بن راشد يفتتح أعمال القمة الحكومية الأولى .....       تخلص من الكرش بواسطة الكمون‏ .....       الالتهابات التناسلية المتهم الأول للحمل خارج الرحم .....       السمنة تهدد الجمال والعلاقة الزوجية .....       أمراض الصيف تهاجم الأطفال دون سابق إنذار .....       خمسة أسئلة غذائية يطرحها الأميركيون لضمان صحة أفضل .....
الصفحة الرئيسية » المقالات تراثيـه » روعان
مشاركة : همس اطبع المقال ارسل المقال لصديق
تاريخ الإضافة :: 2010/08/04   ||   عدد الزوار :: 2517
روعان

 

انسان يتحول إلى وحش

يحظى “روعان” بعدد كبير من الحكايات في الذاكرة الشعبية لكثير من الإماراتيين، وقد اشتهر بين الناس باسمين مختلفين، الأول اسمه الحقيقي الذي لا يمكننا الإفصاح عنه، والآخر صفته وهي “روعان” أي المرعب.

ويذكر الرواة أن روعان عاش بشخصيتين منفصلتين متباينتين، دون أن يكون لأي شخصية علاقة بالأخرى، فقد عاش بشخصية الإنسان الاجتماعي الطبيعي بين أهله وأصدقائه و جيرانه، وعاش بشخصيته المتوحشة بشكل بدائي وحيواني مرعب.

وكان “روعان” بحارا متميزا، عمل في كثير من سفن الغوص على اللؤلؤ، مع أشهر النواخذة “الربابنة” وكان ماهرا مجيدا في مهنته، مجدا في عمله، لا يكل ولا يمل، مطيعا للأوامر منفذا لها، مستقيما في سلوكه، معينا لزملائه، متفاهما معهم.

لكن رغم هذه الصفات الحسنة التي كان يتصف بها روعان، فإنه كان يعتري شخصيته شيء من الغموض، وكانت بعض تصرفاته وحركاته وسكناته تدعو إلى الشك والريبة، فهو في كل ما ذكرنا من صفات جيدة، لا يبدي من هذا السلوك شيئا في بعض الليالي الحالكة.

بل إن روعان نفسه كان يتحاشى الاختلاط بالناس في الليل، وكانت تعتريه حالة من الكآبة والحزن المطبق في الليل، حتى إنه ليرفض أن يقابل أحدا من الناس بعد غياب الشمس.

وكان يختفي في بعض الليالي فلا يدري الناس إلى أين يذهب، أو ماذا يعمل، وقد يطول غيابه في بعض الأحيان إلى أكثر من ليلة، حتى إن أهله لا يعرفون إلى أين ذهب أو ماذا فعل في غيبته هذه.

يقول أحد الرواة إن “روعان” من الأفارقة الذين جيء بهم من شرق إفريقيا عام 1900م تقريبا حسب تقدير الكاتب وكان عمره حين قدم إلى إحدى مدن الإمارات نحو 20 سنة تنقص أو تزيد قليلا، وكان قويا ضخما، ولم يكن يجيد اللغة العربية كثيرا، إلا بعض المفردات البسيطة التي تعلمها من البحارة الذين جلبوه من إفريقيا، ثم ما لبث أن تعلم العربية فقد كان ذكيا فطنا، لكن لهجته كانت تغلب عليها اللغة السواحيلية، يذكر انه حتى آخر أيام حياته وهو في الخامسة والثمانين أو التسعين تقريبا لم يكن يتقن العربية تمام الإتقان.

يكمل الراوي: في تلك السنة (1900م) وفدت إلينا تلك المجموعة من الأفارقة، الذين تم جلبهم من إحدى مدن شرق إفريقيا الشهيرة، ولا أعلم بالضبط هل هي زنجبار أم ممباسة، وكانوا مجموعة من الشبان الأقوياء، ولكن ما إن نزل أولئك إلى المدينة حتى انتشرت شائعة مفادها أن وحشا على هيئة رجل أسود يخرج في بعض الليالي يتربص للبحارة فيفتك بهم، وانتشر الهلع والخوف بين الناس، حتى إن حركة الملاحة والصيد والغوص كادت تشل في البلاد.

وبعد وقوع عدد من الضحايا الذين دفعوا حياتهم ثمنا لخروجهم طلبا للرزق، بدأ الذعر يلف الناس، واستشرى الضيق بين الجميع من دون استثناء، فالقادم الجديد بات يهدد بقاءهم أحياء، فإما أن يقتلهم هو أو الجوع، فاتفق الرجال على الخروج في جماعات، وأن لا يخرج أحدهم منفردا، كما اتفقوا على أن يحملوا معهم أسلحة ولو خفيفة للدفاع عن النفس، و كانت أسلحتهم في ذلك الوقت العصي والسكاكين والخناجر، والقلة كانت تحمل البنادق، ليس لأنها غير متوافرة، لكن لأن من يخرج للصيد أو لتنظيف سفينة لا يليق به حمل بندقية، أو هكذا كنا نظن.

وحدثت المفاجأة فقد كان أحد العرب الأقوياء خارجا في إحدى الليالي منفردا، فإذا به يسمع خطوات مريبة وأنفاساً رهيبة من خلفه، وما أن استدار ليتعرف الى من يتبعه حتى انقض عليه رجل ضخم محاولا قتله، ولكن صاحبنا العربي كان قويا، فلم يستسلم ولم يضعف قلبه الرعب الذي شعر به، بل تصارع معه باقتدار وعنف مماثل وكان يكيل له الضربات واللكمات، وامتد هذا الصراع من منتصف الليل وحتى أذان الفجر، وما إن علا صوت أذان الفجر. حتى اختفى الوحش. وبعد اختفائه وقع صاحبنا على الأرض من الفرح ومن شدة التعب، ونام من فوره، وعند خروج الناس إلى صلاة الفجر وجدوا هذا الرجل واقعا على الأرض ممزق الثياب ملطخا بالدم، فظنوا بأنه ميت، وما إن تعرفوا الى هويته حتى أخذوه إلى بيته، وعندما وآه أهل بيته علا صراخهم ونحيبهم عليه، وفي غمرة هذا المشهد انتفض الرجل وفتح عينه ونطق بالشهادتين “أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله” ففرح الناس واستبشروا الخير، ودبت الحيوية فيهم وغشيهم الأمل، فهذا أول حادث تنجو منه الضحية.

فأودعوه أهله وطلبوا اليه متى أحس أنه بخير أن يتوجه إلى مجلس الشيخ ويعلمهم بذلك حتى يجتمعوا هناك ويحكي لهم حكايته، فوعدهم خيرا.

بعد أيام قليلة تواعد الجميع في مجلس الشيخ وهناك قص عليهم الرجل قصته، وأعلمهم بأن الرجل الذي تبعه وحاول قتله كان “روعان” وأنه لم يكن على هيئته التي يرونه بها دوما بل كان أشبه بالمارد له عينان حمراوان، يكسوه التراب وملامحه مرعبة وأنه لم ينقذه منه إلا أذان الفجر.

وأرسل وراء “روعان” واستدعي إلى مجلس الشيخ، وأول ما جاء سلم على الشيخ والحضور بأطيب سلام، ثم تقدم من الرجل المصاب و تمنى له السلامة، وأبلغه أسفه على ما حدث له وتمنى له الخير.

أصاب الجميع العجب من سلوك “روعان” فبادر الشيخ بسؤاله عن حالة الرجل، فرد بقوله إن الفاعل يجب أن يلاقي أشد عقاب و جزاء بلا هوادة أو رحمة، وأن من يروع المسلمين يجب ألا يرحم.

عجب الجميع من هذا الرد، وتقدم أحد الحضور إلى الشيخ وهمس في أذنه بشيء، فقام الشيخ وطلب الى “روعان” الانصراف وشكره الجميع على مشاعره الطيبة.

بعد ذهاب روعان أقر الجميع بأنه هو الفاعل لكنه من المؤكد انه لا يعلم بذلك، وأقروا بأنه مسكون بالجن، وأنه يفعل ما يفعل بشخصية أخرى لا يعلم عنها شيئا، وأنه يجب أن يعالج إن هو قبل بذلك، وأن يلتزم الجميع الحيطة والحذر منه كل مساء.



رعب: هكذا ظل “روعان” لأكثر من 35 سنة يرعب الناس و يرهبهم، ويواسيهم ويتمنى لهم الخير وهو لا يعلم شيئا عما يحدث بين الليل والنهار، ويسمع عن أعماله المرعبة من الناس ويتأسف على ذلك وكأنه غير معني بالأمر.

لكن الثابت أن “روعان” ما إن تجاوز الخامسة والخمسين من العمر حتى توقف تماما عن أعماله الإجرامية، ونحل جسمه وبدا هزيلا ضعيفا، بعد أن كان مثالا للقوة والعنفوان.

يختلف “روعان” عن بقية الكائنات التي ذكرناها فيما سبق فهو لا يبعده عن ضحيته إلا سماع الأذان، أو طلوع ضياء الصبح.

في الختام يقدر تاريخ ميلاد “روعان” بنحو سنة 1880م، وهو لم يخلف ذرية ومن بقوا إلى اليوم ويحملون اسمه هم من ذرية إخوانه وأبناء عمومته، أما هو فالغموض الذي كان يحيط بشخصيته كان أحد أسباب انقطاع نسله.

شخصية “روعان” كما رأينا لم تكن شخصية خرافية، لكنها أسهمت وبتأثير خارق من الجن من الولوج إلى الخوارق التي تشبه الخرافات، وقد حاك الوجدان الشعبي حكاياته حتى أصبحت حديث المجالس، وفاكهة السمر.


التقييم : 5.00
التعليقات : ( 0 )
عفوا لا يوجد تعليقات
الاسم
اضف تعليق
عودة »»